سورة القصص من السور القرآنية المجسدة للصراع الدائم والأزلي بين الحق والباطل والمصلحين والمفسدين، والمؤمنين والطاغين العلمانيين [بفتح العين].
في السورة نجد فرعون وهامان وجنودهما وقارون, وقوم فرعون والمطيعين لهم, وفي المقابل نجد موسى وهارون وعائلة موسى وقوم موسى.
– ونجد السحرة.
هذه السورة تجسد الحالتين السياسية والاجتماعية في مصر في العصر الفرعوني بطريقة واضحة جلية.
قال تعالى في بداية السورة (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 4].
ملك فرعون حكم البلاد فظن أنه المالك والمتصرف الوحيد في البلاد, يتصرف فيها كيف يشاء من دون حساب, ويتحكم في الناس وفي حقهم في الحياة, فطغى بسلطانه واستقوى بقوته واستعان بجنوده فقهر أهلها, قال تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51].
قال تعالى عن فرعون (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) [الزخرف: 54].
عندما أطاع قوم فرعون، فرعون؛ تمادى في غيّه فقال لهم (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد) [غافر: 29].
لم يجد فرعون من يواجهه بالحقيقة, أنه الحاكم لمصر وليس المالك للبلاد وإله العباد, وليس الزعيم الأوحد, والمعلم الأول, والمهندس الأول, والمثقف المبدع, والمفكر الواعي والاقتصادي المرموق, بل الحقيقة أن له شركاء في الحكم وكل مجال من مجالات الحياة, له المختصون والفاهمون والعالمون فيه وعليه أن يرجع إليهم في المشاريع التابعة لتخصصهم.
تفرعن فرعون وطغى وتكبر فقال العوام: ما لك يا فرعون متفرعن؟! قال: من قلة أحد يردني, أي يصدني عن فرعنتي وطغياني وتكبري وتجبري وتصرفي المطلق في ملك مصر وفي شعبها وممتلكاتها, هذه هي الفرعنة السياسية والفرعنة الاجتماعية والفرعنة الإعلامية والثقافية, قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) [القصص: 4].
لم يكتف فرعون بطغيانه المادي بل عمد إلى بسط سلطانه وإضعاف الشعب بسياسته الاستعمارية الاستحمارية, فَرِقْ تَسُد, أشغل الناس بعضهم ببعض كما قال تعالى: (وجعل أهلها شيعًا) أي جعل الشعب فرقًا وأحزابًا وجماعات وعقائد متصارعة, بذر بينهم بذور الفتنة فأنبتت العداوة والبغضاء وأثمرت التمزق والتنازع. [انظر التفسير المنير، وهبة الزحيلي، دار الفكر, دمشق: سوريا ط1، ج20، ص: 56، 1991م].
قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص: 8], هؤلاء مجموعة الفساد الفرعوني, فرعون الحاكم الأعلى, هامان: العقل المنفذ لسياسة فرعون, جنودهما: من المجندين, والإعلاميين, المثقفين والكتاب, والسحرة وغيرهم وهؤلاء هم أدوات المجموعة الحاكمة لتخدير الشعب وتغييبه والعمل على استمرار الفتن والتنازع الشعبي ليكون الشعب من المشتتين, وينشغل بأموره الحياتية القاسية الناتجة عن فساد فرعون وجماعته (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 4].
إنه وضع سياسي يحتاج إلى دراسة علمية وتحليل بحثي, تنبأ المتنبئون أن فرعون في خطر من الشعب والحل أن يجفف منابع الخطر ويقضي على كل مولود جديد لأنه يهدده.
يشاء الله أن ينجو أحد المواليد من القتل (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [القصص: 14].
المخرج من هذا التجبر الفرعوني والتخطيط الهاماني, والقهر الجنودي هو العلم النافع, والثقافة الخُلقية, ثقافة المحسنين لا ثقافة المفسدين المنتفعين الطفيليين أدوات القهر على الرافضين للسياسة الفرعونية.
بالعلم النافع الصحيح, والمشاركة الفعلية من المصلحين للأمور السياسية, والفهم لمجريات الأمور والجيل الواعي القادر على التغيير والتعمير والإبداع والهمة العالية قال تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) [القصص: 14].
هذه الشدة وهذا الاستواء يحتاجان إلى الإحسان في القول والفعل والمقصد والوسائل والغايات.
أما شدة المخربين والمفسدين والإرهابيين القاتلين فليست من وسائل الإصلاح, بل هي معاول هدم.
هذه دعوة قرآنية لترشيد سلوك الشباب, وتربيتهم التربية النبوية الخُلقية الإيمانية التي تُحرّم القتل وتجرمه, وتنبذ التدمير والترويع كما قال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) [القصص: 17].
أنعم الله عليه بقوة الشباب, وبالعلم النافع, والفهم الصحيح فعاهد الله سبحانه أن يكون شاكرًا لنعمه بأن لا يدعم المجرمين المفسدين المخربين المروعين للعباد والبلاد.
-حفظ الأمن ليس من مسئولية الأفراد, حفظ الأمن يحتاج إلى شرطة منظمة للأمن, تفصل بين العباد, وتمنع المصادمات والمشاحنات, كما يحتاج إلى قضاء رسمي عادل يعطي كل ذي حق حقه, لا فارق بين قوي وضعيف, ومتعلم وجاهل, ومتنفذ ومغمور.
أما أن يقوم كل فرد بأخذ حقه بيده وينفذ ما يراه في مصلحته فهذا سبيل الفوضى وتربية المجرمين الخارجين عن الأمن العام وانتشارهم بين الناس يروعونهم ويضربونهم ويقتلونهم ويقطعون طريقهم ويسرقون ممتلكاتهم فهذا يحول الحال إلى الفوضى, والبقاء لشريعة الغاب والناب, وهذا من الفساد, والشرذمة والفشل (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ) [القصص: 17].
على الجميع الخضوع للقانون العام, وعلى المشرعين أن يجعلوا القانون عادلاً محايدًا مستندًا إلى شرع الله العادل أحكم الحاكمين, وأن يكون للدولة المقدرة العادلة القادرة على تنفيذ القانون من دون ظلم على القوي والضعيف, والمرأة والرجل, والغني والفقير, المتنفذ وغير المتنفذ, القريب والبعيد, إن كان هذا سلوك القائمين على الأمر صلحت البلاد, وصلح حال العباد, وساد الأمن والأمان.
الإسلام لا يعرف الفوضى, ولا الإرهاب ولا الترويع للآمنين, ولا التصرف بالجهل والهوى, الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق, ويحفظ حقوق العباد, ويؤمن حياتهم وأعراضهم وممتلكاتهم ودينهم وأبدانهم وأبناءهم ومعاملاتهم.
وللحديث بقية بإذن الله..
نشرت هذه المقالة في جريدة أخبار الخليج – الملحق الإسلامي – العدد : ١٣٦٩٢ – الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠١٥ م، الموافق ٤ ذو الحجة ١٤٣٦ هـ




